تم إنشاء هذا الموقع باستخدام منصة ويلت ﻹنشاء المواقع، قم بإنشاء موقع الويب الخاص بك مجانًا اليوم!

ابدأ الآن
عربي

معالم اسلاميبة

حلقات علمية حول الاندلس

الحلقة الأولى المطلب الأول: فتح الأندلس: كان الفتح الكبير لبلاد الأندلس سنة اثنتين وتسعين للهجرة ( 92هـ ) على يد المجاهد الكبير القائد طارق بن زياد([1]) ، الذي كان والياً على طنجة من بلاد المغرب الإسلامي الذي بينها وبين الأندلس الخليج المعروف بالزقاق في خلافة الوليد بن عبد الملك الأموي([2]) . ولعلي لن أدخل في تفاصيل الفتح لأن ذلك يهم المؤرخين أكثر مما يهتم به غيرهم ، وسوف انتقل مباشرة إلى الأندلس في رحاب الحكم الإسلامي. الأندلس تلبس ثوبها الجديد: كانت الأندلس تخضع للقوطيين الذين أذاقوا هذه البلاد مرارة الظلم، وكثرت فيها الطبقية ، مما جعل الناس يتطلعون إلى اليوم الأبيض الذي يتخلصون فيه من هذا الحكم الظالم الجائر ، وقد كانوا يسمعون بما قام به المسلمون من تنظيم لإفريقية, وحسن معاملة , وعدل بين الناس, لذلك تطلعوا إلى الدخول تحت الحكم الإسلامي ، وأحسوا أن في ذلك إنقاذاً لهم من الظلم الذي كانوا يعيشونه ويتجرعون مرارته، وفعلا تم ذلك بفضل الله ثم بفضل جهود المسلمين المخلصين . وبهذا لبست الأندلس ثوبها الجديد في رحاب إسلامي بحت لا طبقية فيه ، ولا ظلم ،ولا تقديس لرجال الدين ، وإنما دين يدعو إلى التساوي بين الناس فهم جميعاً عبيد الله لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى([3]) . وبدخول الإسلام والمسلمين إلى الأندلس حصل التغير الكبير في المجتمع الأندلسي فمن الظلم إلى العدل, ومن الجهل إلى العلم, ومن الضنك والضيق إلى الراحة والسعة, ومن الاضطراب إلى الاستقرار، ولم يكن فتح المسلمين للأندلس فتحاً لأرض وإنما كان فتحاً في العقيدة والأرض معاً، فقد انتشرت القيم والمبادئ الإسلامية ودخل الناس في دين الله أفواجاً، لذا فقد كان أول عمل يقوم به المسلمون في البلاد المفتوحة – الأندلس – هو بناء المسجد ليكون عاملاً مهماً في التغيير ، وبناء الرجال ، وتثبيت العقيدة ، وترسيخ المبادئ الإسلامية، بل ليكون مدرسة ، ومعهداً ، وجامعة ، تبث العلم ، والأخلاق ، والمبادئ السمحة. يقول لاين بول: " أنشأ العرب حكومة قرطبة التي كانت أعجوبة العصور الوسطى، بينما كانت أوربا تتخبط في ظلمات الجهل فلم يكن سوى العرب من أقام بها منائر العلم والمدنية، ولم تشهد الأندلس اعدل واحكم من حكم العرب([4]). ويقول المستشرق الأسباني " جاينجوس ": ( لقد سطعت في أسبانيا أول أشعة لهذه المدنية التي نثرت ضوءها فيما بعد على جميع الأمم النصرانية, إلى حكمة العرب ، وذكائهم ، ونشاطهم ، يرجع الفضل في الكثير من أهم المخترعات الحديثة وأنفعها )([5]). ويقول المؤرخ " تورنو": ( من الثابت أنه بينما كان أغلب أوربا يرزح تحت نار الشقاء ، والفساد ماديا ، وروحيا ، أقام المسلمون حضارة زاهرة وحياة اقتصادية منظمة)([6]). ويقول المؤرخ " جوستاف لوبون": ( دامت همجية أوربا زمناً طويلاً دون أن تشعر بها, ولم يبد في أوروبا ميل إلى العلم حتى القرن الحادي عشر من الميلاد ، وذلك حين ظهر فيها أناس رأوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل عنهم, فولوا وجوههم شطر العرب الذين كانوا أئمة وحدهم )([7]). هذه شهادتهم على أنفسهم وعلى أوضاعهم ، وكأنها تصور أن المنقذ الوحيد من هذا الضلال ، والضياع ، هو الإسلام والمسلمون ، والحق ما شهدت به الأعداء. وقد شيد المسلمون حضارة عريقة شهد لها القاصي والداني من المنصفين ، وأن ما تنعم به أوربا الآن من حضارة عريقة هي بفضل المسلمين، وهي أساس الحضارة الإسلامية التي سرقت من المسلمين بعد سقوط الخلافة الإسلامية وظهور محاكم التفتيش. والخلاصة: أن المسلمين عاشوا في الأندلس ما يقارب ثمانية قرون، وحد الإسلام خلالها صفوفهم، وجمع شتاتهم، وحررهم من رقة العبودية والكنيسة، وأوجد لهم الشخصية المستقلة ، وأبرزها إلى حيز الوجود ، حتى غدت أرضهم قبلة العلوم ومصدر الثقافة، رحل إليها كثير من علماء المشرق ، ونبغ فيها من العلماء والحكماء من يفاخر بهم على مر العصور وتعاقب الأجيال. يقول "محمد فريد وجدي ": ( ولما استتب بها حكم الإسلام جاءها العدل من كل مكان فزدهرت وأينعت، وبلغت من الرفعة ما بلغت، ونبغ فيها من العلماء والحكماء والأطباء عدد لا يحصى)([8]). وهذا يدل على أن الفتح الإسلامي لم يكن مجرد فتح أو انتصار عسكري في تاريخ أسبانيا ، وإنما كان حدثا حضاريا شاملا ، استهل حقبة تاريخية بعثت في مختلف جوانب الحياة الأسبانية آثاراً عميقة، لم تنته بنهاية حكم الإسلام فيها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ([1]) طارق بن زياد الليثي بالولاء, ولد عام 50 هـ , فاتح الأندلس, أصله من البربر, أسلم على يد موسى بن نصير فكان من أشد رجاله, وكان والياً على طنجة , مات رحمه الله عام 102هـ . انظر نفح الطيب 1/108, وبغية الملتمس67 . ([2]) البيان المغرب 2/5 ، وانظر تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي ص 313 ، وانظر التاريخ الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة للحجي 76 , وانظر الفتوح الإسلامية عبر العصور للدكتور / عبد العزيز العمري ص179, ط:1, عام 1418هـ ـ 1997م , مركز الدراسات والأعلام, دار اشبيليا , الرياض. ([3]) رواه الإمام أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني في مسنده 5/411، مؤسسة قرطبة – القاهرة ، بتذييل شعيب الأرنؤوط . ([4]) دولة الإسلام في الأندلس ص 15، لمحمد عبد الله عنان وانظر التاريخ الأندلسي للفلاحي 1/5. ([5]) المصدر السابق ص18 ، وانظر التاريخ الأندلسي للفلاحي 1/5. ([6]) المصدر السابق ص20 ([7]) التاريخ الأندلس للحيمي ص20. ([8]) دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي 1/662 .

وللحديث بقية ...